محمد بن جرير الطبري

3

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن سفيان ، عن سعيد ، عن قتادة عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ قال : النبأ العظيم : البعث بعد الموت . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ قال : يوم القيامة ؛ قال : قالوا هذا اليوم الذي تزعمون أنا نحيا فيه وآباؤنا ، قال : فهم فيه مختلفون ، لا يؤمنون به ، فقال الله : بل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ، يوم القيامة لا يؤمنون به . وكان بعض أهل العربية يقول : معنى ذلك : عم يتحدث به قريش في القرآن ، ثم أجاب فصارت عم كأنها في معنى : لأي شيء يتساءلون عن القرآن . ثم أخبر فقال : الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ بين مصدق ومكذب ، فذلك إخلافهم ، وقوله : الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ يقول تعالى ذكره : الذي صاروا هم فيه مختلفون فريقين : فريق به مصدق ، وفريق به مكذب . يقول تعالى ذكره : فتساؤلهم بينهم في النبأ الذي هذه صفته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سعيد ، عن قتادة عن النبأ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ البعث بعد الموت ، فصار الناس فيه فريقين : مصدق ومكذب ، فأما الموت فقد أقروا به لمعاينتهم إياه ، واختلفوا في البعث بعد الموت . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ صار الناس فيه رجلين : مصدق ، ومكذب ، فأما الموت فإنهم أقروا به كلهم ، لمعاينتهم إياه ، واختلفوا في البعث بعد الموت . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ قال : مصدق ومكذب . وقوله : كَلَّا يقول تعالى ذكره : ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون الذين ينكرون بعث الله إياهم أحياء بعد مماتهم ، وتوعدهم جل ثناؤه على هذا القول منهم ، فقال : سَيَعْلَمُونَ يقول : سيعلم هؤلاء الكفار المنكرون وعيد الله أعداءه ، ما الله فاعل بهم يوم القيامة . ثم أكد الوعيد بتكرير آخر ، فقال : ما الأمر كما يزعمون من أن الله غير محييهم بعد مماتهم ، ولا معاقبهم على كفرهم به ، سيعلمون أن القول غير ما قالوا إذا لقوا الله ، وأفضوا إلى ما قدموا من سيئ أعمالهم . وذكر عن الضحاك بن مزاحم في ذلك ما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي سنان ، عن ثابت ، عن الضحاك كَلَّا سَيَعْلَمُونَ الكفار ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ المؤمنون ، وكذلك كان يقرأها . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً . . . اللَّيْلَ لِباساً يقول تعالى ذكره معددا على هؤلاء المشركين نعمه وأياديه عندهم ، وإحسانه إليهم ، وكفرانهم ما أنعم به عليهم ، ومتوعدهم بما أعد لهم عند ورودهم عليه ، من صنوف عقابه ، وأليم عذابه ، فقال لهم : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ لكم مِهاداً تمتهدونها وتفترشونها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سعيد ، عن قتادة أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً أي بساطا وَالْجِبالَ أَوْتاداً يقول : والجبال للأرض أوتادا أن تميد بكم وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ذكرانا وإناثا ، وطوالا وقصارا ، أو ذوي دمامة وجمال ، مثل قوله : الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ يعني به : صيرناهم . وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً يقول : وجعلنا نومكم لكم راحة ودعة ، تهدءون به وتسكنون ، كأنكم أموات لا تشعرون ، وأنتم أحياء لم تفارقكم الأرواح ؛ والسبت والسبات : هو السكون ، ولذلك سمي السبت سبتا ، لأنه يوم راحة ودعة . وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً يقول تعالى ذكره : وجعلنا الليل لكم غشاء يتغشاكم سواده ، وتغطيكم ظلمته ، كما يغطي الشوب لابسه ، لتسكنوا فيه عن التصرف لما كنتم تتصرفون له نهارا ؛ ومنه قول الشاعر : فلما لبسن الليل أو حين نصبت * له من خذا آذانها وهو دالج يعني بقوله " ولبسن الليل " : أدخلن في سواده فاستترن به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .